أدب الخلاف وكيف نختلف


أدب الخلاف وكيف نختلف
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذبالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلاهادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلِّم.
أما بعد:
فقد جرت عادة الكتَّابوالمتحدثين أن يضعوا نتائج البحث في آخر أبحاثهم وكتاباتهم.
ولكني سأبدأ بذكرالنتائج التي توصل إليها كثيرون من خلال تجارب مُرّة؛ ومحاولات عديدة تمثلت عصارتهافي هذين البيتين :
بَحَثْتُ عَن الأَدْيَانِ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا
 

وَجُبْتُ بِلَادَ اللهِ غَرْباً وَمَشْرِقَا

فَلَمْ أَرَ كــَإلاسْلَامِ أَدْعَـى لِأُلْفَةٍ
 

وَلا مِثْـلَ أَهْلِيهِ أَشَـدَّ تَفَرُّقَـا
هل تمتلك أمة من الأمم في الأرض كلها هذا التراث، الذي نمتلكه نحنمن:-
القرآن الكريم.
وحديث النبي العظيم صلى الله عليه وسلم .
والتاريخالإسلامي.
الذي يرشدنا إلى أهمية الاتحاد واجتماع الكلمة؛ ليرقى بذلك أن يكونأصلاً من أصول الدين، وأمراً ربانياً تضمَّنه القرآن الكريم، وتأكيداً نبوياً فيمالا يحصى من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وتطبيقاً عملياً لحياة الصحابةوالتابعين؟!
بينما تجد واقع المسلمين يُنبئُ عن قدر كبير من الاختلاف، والتباعد،والتطاحن حول قضايا، ربما تكون مفهومة أحياناً وغير مفهومة في كثير منالأحيان.
كلنا نتحدث بهدوء عن أخلاقيات الاختلاف، وقد نضع نظريات جميلة وطيبة منالناحية اللفظية.
لكنَّ القليل منا هم أولئك الذين يستطيعون أن يطبقوا هذهالنظريات، ويحولوها إلى واقع في سلوكهم العملي، وفي علاقاتهم مع الآخرين حينمايختلفون معهم.
وكأننا نلتمس من الآخرين؛ أن يلتزموا بأخلاقيات الخلاف حينمايختلفون معنا، لكننا لا نلتمس من أنفسنا الالتزام بهذه الأخلاقيات حينما نختلف معالآخرين.
أحدهم كان يلقي محاضرة عن الذوق الرفيع، وجاءه سؤال لم يرقْ له؛ فتجاوزالذوق قائلا: من هو الأحمق الذي كتب هذا السؤال؟!!

إننا بحاجة إلى تدريس أدبالخلاف في: مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا، وتدريب الشباب والفتيات على ممارستهعملياً؛ ليتحول إلى عادة وإلى عبادة في الوقت ذاته.
أما أنه عبادة؛ فلأنه طاعةلله، ولرسوله، واتباع لسنن المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وأما أن يتحول إلىعادة؛ فحين يتربى المرء عليه، ويصبح سجية وطبعاً لا يتكلفه، ولا يشق عليه.
أولاً: أدب الخلاف والحوار مهم:
يحتاج إليه الحاكم؛ ليحفظ حقوق رعيته، حتى مع من يختلفون معه؛ كما حفظالنبي صلى الله عليه وسلم حقوق الناس كلهم؛ فحفظ حقوق المخالفين بالمدينة من اليهودوالمنافقين، أما أصحابه فلا تسأل عن صبره وصفحه وتجاوزه وإنصافه من نفسه عليهالصلاة والسلام، وإعطائه الحق لطالبه. وكما حفظ أصحابه العهد من بعده؛ فهذا علي بنأبي طالب حينما انشق عنه الخوارج، ووقع منهم ما وقع في أول بادرة خطيرة في تاريخالإسلام من التباعد، والتطاحن، والخلاف، الذي تحول إلى عمل ومواجهة عسكرية؛ أضرتبالتاريخ، والخلافة، والفتح الإسلامي؛ قال عنهم -بعد كل هذا-: إخواننا بغوا علينا. ويرفض أن يصفهم بكفر أو غير ذلك، ثم يحفظ لهم حقوقهم ما لم يحملوا السلاح ويُخيفواالسبيل، ويستحلوا الدم الحرام.
ويحتاج إليه العالم؛ ليحفظ حقوق الطلاب، ويعدلبينهم، ويُحسن الظن بأسئلتهم وإشكالاتهم واعتراضاتهم، ويفتح لهم صدره، ويربيهم علىالمسؤولية المستقلة، وليس على الذوبان في شخصية الشيخ؛ ليخرج لنا سادة نبلاء نجباء،وليس مقلدين ضعفاء.
ويحتاج إليه الأب تحبُباً إلى قلوب ولده، وعذراً لهم فيماخالفوه فيه، وإدراكاً أنهم صغارُ قوم كبارُ آخرين. فليس المطلوب أن يكون الابن أوالبنت صورة طبق الأصل عن الوالد، أو الأبوين، بل للولد بصمته الخاصة في فكره وعقله،كما له بصمته في يده، أو في كلمته، أو في عينه، أو في بنانه، أو في نبرةصوته.
نعم! نحن نتحدث، ويجب أن نتحدث عن أدب الخلاف؛ لكن نحتاج إلى وضع آلياتلإدارة الخلاف، الذي يقع بيننا لا محالة

ثانياً : ساحاتالحوار:
عصرنا عصر انفتاح، تكسرت فيه الحدود والسدود، وتحطمتالحواجز.
وأذكر طُرفة تُحكى عن بشر بن مروان- وكان يُظنُّ به شيء من الغفلة- أنهضاع له صقر في المدينة؛ فأمر بإغلاق أبوابها لئلا يذهب الصقر، ونسى أنه يطير فيالفضاء.
نحن اليوم في عصر الفضاء، وفي عصر الإنترنت؛ حتى الحكومات أدركت أنأسلوب المنع والحظر والتشويش لم يعد يجدي، وأن الحل الوحيد هو النزول إلى الميدان،ومقابلة الحجة بالحجة.
مجالس الناس أصبحت اليوم عامرة بالمتناقضات؛ من الآراءوالتوجهات والأقاويل، مما يعتقدون وما لا يعتقدون، وما يدركون وما لا يدركون، ولميعد مُجدياً تسفيه الآخرين مهما تكن ضحالة أفكارهم، أو تفاهة حججهم، بل لابد منالاستماع إليهم، ومنحهم الأهمية والاحترام، ومقارعة الفكر بالفكر؛ فالتناسب بينالداء والدواء ضروريٌ حتى يتقبل الجسم العلاج، وينتفع به.
لقد أصبح الإنترنتوساحات الحوار- وهي كثيرة جداً تعد بالمئات باللغة العربية، فضلا عن التعليقات فيكل مواقع الإنترنت- مرآة تكشف الخلل الكبير في آلية الحوار، وفي تجاهل كثيرينلدائرة المتفق عليه بين المسلمين، وأهل العلم، وأهل الدعوة، وأهل السنة؛ وهي دائرةواسعة جداً وضخمة، سواءً فيما يتعلق بالدين وفهمه، أو فيما يتعلق بالمصلحة وإدراكهاوتحقيقها، أصبح هناك تجاهل كبير لدائرة المتفق عليه، وعمل واسع على دائرة المختلففيه، وترتب على ذلك سلبيات في هذا الحوار الإلكتروني كثيرة، منها:

إن لم تكن معي فأنت ضدي.
أو بمعنى آخر: إما صفر، أو مائة فيالمائة؛ فهناك المفاصلة، بل والمقاصلة، بمجرد ما أكتشف أن بيني وبينك نوعاً منالاختلاف أو التفاوت -حتى لو كان في مسائل جزئية أو صغيرة- نتحول إلى أعداء ألداء،بدلاً من أن نكون أصدقاء أوفياء.

الخلط بين الموضوعوالشخص.
فيتحول النقاش في موضوع ما، أو فكرة، أو مسألة ما إلى هجوم علىالأشخاص، واتهام للنيّات، واستعراض لتاريخ هذا الإنسان أو ذاك. وبالتالي تتحول كثيرمن الساحات إلى أماكن للفضائح والاتهامات والطعون غير المحققة .

تدنّي لغة الحوار.
وبدلاً من المجادلة بالتي هي أحسن؛ تتحولإلى نوع من السب والشتم، وكما يقول الأئمة الغزالي وابن تيمية والشاطبي وغيرهم أنه: لو كان النجاح والفلاح في المجادلة والمناظرة بقوة الصوت، أو بالصراخ أو بالسب أوبالشتم؛ لكان الجهلاء أولى بالنجاح فيه، وإنما يكون النُّجْحُ بالحجة والهدوء، وفيالمثل: العربة الفارغة أكثر جَلَبَةً وضجيجاً.

القعقعةاللفظية.
لدينا قعقعة لفظية نظن أننا نحقق بها أوهام الانتصارات الكاسحةعلى أعدائنا، ونحرك بها مسيرة التنمية والإصلاح لمجتمعاتنا زعماً وظناً. وقد تسمعمن يقول لك: كتب فلان مقالاً قوياً، فتنتظر من هذا المقال أن يكون مقالاً مركزاًعميقاً، أبدع فيه وأنتج، وخرج بنتيجة جيدة، أو أحصى الموضوع من جوانبه؛ فإذا بكتجده مقالاً مشحوناً بالعبارات القوية الرنانة، التي فيها الطعون بمن لا يتفقونمعه؛ فهذا مقياس قوة هذا المقال في نظر أولئك.
الأحادية.
وأعني بها: ( مَاأُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) بحيثيدور الشخص حول رأيه ووجهة نظره، التي ليست شرعاً منزلاً من عند الله تعالى، ولاقرآناً يُتلى، ولا حديثاً، ولا إجماعاً؛ وإنما هو رأي؛ قصاراه أن يكون صواباً؛فيتحلق حوله هذا الشخص وآخرون، ويصبح الأمر يدور عنده كأنه القطعي منالأحكام.
القطعية.
وأعني بها: قولي صواب لا يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ لايحتمل الصواب.

التسطيح والتبسيط.
فالأشياء التي لا نفهمها، أو يشق علينافهمها، أو تحتاج إلى تأمل، أو تدبر، أو روية -هي أشياء خاطئة ومخالفة للحق، ومخالفةللسنة. بينما الأشياء البسيطة السطحية السهلة الفهم يُخيل إلينا أن فيها الحقوالصواب، وأنها الموافقة للكتاب.
وهكذا ما تجده في القنوات الفضائية، فكم منبرامج الحوارات التي تُدار ويتناطح فيها أقوامٌ من كافة الاتجاهات والمذاهبوالمشارب؛ فتجد الصخب واللجاج، وانتفاخ الأوداج، والصفاقة والإحراج.
وهذه بعضالأمثلة التي وقفت عليها هنا، أو هناك:
(
فلانٌ لا كرامة لـه عند الله تعالى،وعند كل موحدٍ لله العظيم.
(
فلان ليس له عند الله من خلاق.
فانظر الجراءةعلى الله سبحانه وتعالى وعلى عباده الصالحين، وأن تتحول أذواقنا، أو مشاعرناالسلبية تجاه هذا الشخص الذي لا نحبه أو لا نحترمه، وليكن مخطئاً أو منحرفاً؛ لكنهيظل مسلماً حتى نقول: إنه لا قدر له عند الله، ولا عند الموحدين من عباده. ( فلانليس له قيمة عند أهل التوحيد( ( فلان مات؛ فإلى جهنم وبئس المصير).
وقد تُقالهذه الكلمة في حق إمام عظيم، أو شيخ فاضل، أو داعية صادق، أو مؤمن نحسبه واللهحسيبه، ولكنَّ الذين لا يفقهون يتجرءون ويطلقون ألسنتهم ولا يتورعون.
(فلانٌمنحرف في العقيدة، مفتون في نفسه)، وقد يكون أصفى من القائل عقيدة، وأصدق منهمذهباً، وأقوم بالكتاب والسنة. (فلان كافر( (فلان من المنافقين)، وكأنصاحبنا أخذ عن حذيفة بن اليمان؛ بل كأنه تلقى من جبريل الأمين.
وهذا كله يقتضيتزكية النفس، والثناء عليها بشكل مباشر، أو غير مباشر؛ فيقول عن نفسه: إنه منالناجين، ومن المؤمنين الصادقين، ومن المخلصين، وإنه أغير على دين الله، وأنصحلعباده.
وماذا تتوقع أن يكون الحوار؛ إذا اعتقد كل طرف أن ما هو عليه صوابقطعي، وأن ما عليه خصمه خطأ قطعي!
بينما المسألة كلها محل نظر وتردد، وليس فيهانص عن الله ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحتى في حالة القطع، افتراضاًبأن ما تقوله صواب قطعاً، وما يقوله الآخر خطأٌ قطعاً؛ فإن من الحكمة أن تبدأالدعوة والحوار بدائرة المتفق عليه، كما علمنا ربنا  قُلْ يَا أَهْلَالْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلانَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَابَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوابِأَنَّا مُسْلِمُونَ آل عمران:64
بل علمنا الله -تبارك وتعالى- أعظم من هذافي قوله سبحانه وتعالى : (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَإلارْضِقُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سـبأ25:24 .
فانظر كيف عبر نسب الإجرام إلى عمله هو على سبيل التنـزل (لاتُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا) ، أما ما يعمله الآخرون فقالوا: (وَلا نُسْأَلُعَمَّا تَعْمَلُونَ) وهذا من باب التنـزل للخصم كما يُقال، وقال الله: (الإسراء:8 )
إن هدوء الإنسان، واستقرار نفسه، وهدوء لغته، وحسن عبارته، وقوة حجته - هو الكفيل بأن تنصاع له القلوب، وأن يصل الحق الذي يحمله إلىأفئدة الآخرين، وأن يتغلب على باطلهم.
لقد أصبحنا بكل وضوح مسخرة للشعوب الأخرى؛خاصة ونحن في عصر أصبح العالم فيه كله قرية بل شُقة بل غرفة واحدة يسمع فيها القاصيكلام الداني.
وهذا الجدل المحتدم العقيم بيننا في قضايا لا تقدم ولا تؤخر، ولاتُثمر، ولا تغني ، ولا تنفع، ولا تقيم دنيا ولا تصلحها، ولا تفيد في آخرَة- إن هذاالجدل على مرأى ومسمع من أعدائنا وخصومنا في القريب والبعيد، ولعلهم يقولون لنا: اتفقوا أولاً على الدين الذي تقدمونه لنا، والتصور والفكر الذي تطرحونه، ثم تعالوالدعوتنا.
ولقد كُتب لي يوماً من الأيام أن نشرت مقالاً بعنوان: (بيني وبين ابنجبرين)، وكان يتعلق بقضايا مما يثور ويدور فيها الخلاف بين بعض أهل السنة وبعض أهلالدعوة.
وكنت أظن أن صدى هذا المقال لا يتجاوز حدود رفاقنا وأصحابنا ومن حولنا؛فإذا بي استقبل ردود فعل من أمريكيين وأمريكيات من غير المسلمين والعرب، وإذا بهميقرءون السطور وما وراء السطور، ويعلقون بما يدل على دقة متابعتهم، وشدة اهتمامهم،ومعرفتهم بكثير من القضايا، ربما أكثر مما يعرفها بعض المتخصصين فيها.


ثالثاً: هل الخلاف شر؟
إن الاختلاف سنة ربانية، لا مخلص منها؛فالناس يختلفون في ألوانهم، وأشكالهم، وقبائلهم، وميولهم، وعقولهم وفي كل شيء. كمايقول أبو الطيب:
تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لَا اتّفَاقَ لَهُمْ
 

إِلَا عَلَى شَجَبٍ وَالْخُلْفُ فِي الشَّجَبِ

فَقِيلَ تَخْرُجُ نَفْسُ الْمَرْءِ سَالِمَةً
 

وَقِيلَ تَشْركُ جِسَمَ الْمَرْءِ فِي
( َمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَإلارْضِ وَاخْتِلافُأَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍلِلْعَالِمِينَ)(الروم:22(
( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِلَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذريات:49(
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَلِتَعَارَفُوا)(الحجرات: من الآية13)
 لم يقل سبحانه: لتعاركوا، أو تحاربوا؛وإنما قال: لتعارفوا.
إن قيام الكون وبقاء الحياة لا يكون بتحقيق رغبة فئة خاصةبعينها من الناس، وإلا لكانت هذه الفئة تطمع في إبادة الآخرين، ومحوهم من الوجود،وكانت كل أمة تريد نقيض ما تريده الأمة الأخرى، بل حتى المرء نفسه في اختلاف وتغيّرفهو اليوم على حال، وغداً على حال أخرى، كما قال ربنا تبارك وتعالى:  ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) الانشقاق:19
يعني: حال بعد حال؛فهناك الطفولة والشباب، والكهولة والشيخوخة والهرم، وهناك الغنى والفقر وهناك الصحةوالمرض، وهناك العلم والجهل، وهناك أحوال يمر بها الإنسان.
حتى كان النبي صلىالله عليه وسلم يقول:( إِنِّى وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَىيَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا ، إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى ،وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ) أخرجه البخاري (7555)، ومسلم (1649)
فهو يرىفي بعض الأوقات أن هذا خير حتى يقسم عليه -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - ثميبدو له خلافه؛ فيكفر عن يمينه ويأتي الذي ظهر له أخيراً أنه خيرٌ.
وقد يرىالمرء الرأي صباحاً، ثم ينقضه في المساء.
ومن بديع الحكمة الربانية أن الله -تبارك وتعالى- منح الناس حق الاختيار، كما قال سبحانه:
( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْرَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر)(الكهف: منالآية29)
وقال سبحانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).
وحمَّله مسئولية هذاالاختيار، إما جنة عرضها السماوات والأرض، أو ناراً تلظى.
( إِنَّا أَعْتَدْنَالِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوابِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْمُرْتَفَقاً) (الكهف: من الآية29).
ولو شاء الله سبحانه وتعالى لجعلنا وجعل البشركلهم ملائكة مطيعين ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ)(التحريم: من الآية6)، ولكنه أراد أن يخلق خلقاً فيبتليهم، كما قالسبحانه: (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)(سورة محمد: من الآية4) .
وهذا ليسابتلاءً في ميدان القتال فحسب، بل في ميدان الحياة كلها.
ولهذا شرع الله تعالىلنا الإحسان في الحرب والقتل والقتال والذبح.
وفي حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍقَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ « إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْفَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّأَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ » أخرجه مسلم (1955)، وأبو داود (2815).
فهنا: تلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم آمر بالإحسان، حتى والإنسانيقتل من يستحق القتل، أو يذبح بهيمة، أو نحو ذلك.
وهكذا شرع لنا الله الإحسانبين الزوجين، بين الجيران، بين الشركاء. ووضع أسس الأخلاق والمعاملات بين الناس،قريبهم وبعيدهم.
كما شرع الله لنا الإحسان في الدعوة، وتأليف القلوب على الخير،وتحبيب الناس إلى الهدى، حتى جعل الله في الزكاة سهماً للمؤلفة قلوبهم، ومنهمالكافر الذي يُرجى إسلامه، أو المسلم الذي يُرجى قوة إيمانه، أو الكافر الذي يرجىدفع شره، أو بالكافر الذي يُرجى إسلام نظيره.
وحينما وصف الله نبيه محمد صلىالله عليه وسلم بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)،لم يكن خلقهصلى الله عليه وسلم مقصوراً على أولئك الذين يطمع في دعوتهم، بل حتى قبل بعثته صلىالله عليه وسلم كان مثلاً أعلى في حسن الخلق مع الخاص والعام، أما بعد بعثته، وبعدنزول الوحي عليه؛ فكان شيئاً آخر غير ما عهده الناس، ولهذا قال النبي صلى الله عليهوسلم: « فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ » أخرجه البخاري (2363)، ومسلم (2244).
«
وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ » أخرجه أحمد (15592)،والبخاري في الأدب المفرد (373).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وسلم قَالَ « غُفِرَ لاِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَىرَأْسِ رَكِىٍّ يَلْهَثُ ، قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا ، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ ، فَغُفِرَ لَهَابِذَلِكَ » أخرجه البخاري (3321) .
إن الدين لم ينزل - كما يظنه البعض- لتأجيجالصراع بين الناس، بل لضبط العلاقة وتنظيمها وعمارة الأرض (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَإلارْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: من الآية61)، ولهذا لما خلق الله آدم؛خلقه من أجل عمارة الأرض، والسعي فيها، والضرب فيها؛ قالت الملائكة لربها تباركوتعالى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ(البقرة: من الآية30)؛ فعلموا أن الفساد فيالأرض، وسفك الدماء مما يكرهه الله عز وجل، فندرك من هذا أن الله لم يخلق البشر ولمينـزل الكتب لأجل أن يحتربوا ويتنازعوا.
وجاءت الشرائع بحفظ الضرورات الخمسالمعروفة، وتحريم القتل، والزنا، والكذب، والسرقة، والظلم وغير ذلك.
إن منالضروري إذاً أن يختلف الناس :
لاختلاف عقولهم وأفكارهم وتفاوتها في مداركها، فيمعرفة فقه المقاصد والمآلات، في معرفة المصالح، في معرفة الأولويات وترتيبهاوفقهها، ومعرفة الفاضل من المفضول.
يختلف الناس لاختلاف النفسيات، والميول،والأمزجة، والتركيب بين هذا وذاك.
يختلفون لاختلاف درجة التجرد والإخلاص،والقدرة على الانفصال عن المؤثرات، سواء كانت مؤثرات نفسية، أو اجتماعية، أو سياسيةأو غيرها.
ويختلفون لتفاوت المعلومات الموجودة عندهم كثرةً أو قلة، سواء كانتمعلومات شرعية أو غير ذلك؛ ولهذا:
اختلف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كمااختلف موسى وهارون.
وموسى والخضر.
وداود وسليمان.
واختلفت الصحابة y بلأكابر الصحابة.
كما اختلف أبو بكر وعمر بحضرة النبي صلى الله عليهوسلم.
واختلف ابن عباس ومعاوية.
واختلف عثمان وعلي.
واختلف الأئمة منبعدهم؛ كالأربعة وغيرهم.
وهذا الخلاف في أصله رحمة وسعة، وإنما يكون الحرجوالضيق إذا داخل الخلاف هوى، أو حظ نفس أو تعامل معه بطريقة غير شرعية؛ فتحول إلىنوع من الفرقة والتنازع والشتات بين المؤمنين.
ولهذا لما كتب رجلٌ كتاباً؛ وجاءبه إلى الإمام أحمد قال: هذا كتاب سميته: كتاب الخلاف، فقال له: لا تسمّه كتابالخلاف، سمه: كتاب السعة، وهذا من فقهه -رحمه الله- !
وقال بعض العلماء عنالصحابة: اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة.
وقال عمر بن عبد العزيز رضيالله عنه: والله ما يسرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لواتفقوا وأجمعوا؛ لكان خلافهم ضلالاً، أما وقد اختلفوا؛ فكلٌ سنة وفي الأمرسعة.
إن الناس -أيها الأخ الحبيب- يحتاجون إلى الحساب في معاملاتهم، وبيعهموشرائهم؛ ولذلك كان للحساب أصول وضوابط وقواعد.
كما يحتاجون إلى النحو فيكلامهم وحديثهم، وأخذهم وعطائهم، ومن هنا جاءت قواعد النحو والإعراب، وهم بالقطعيختلفون؛ ولذلك تأتي ضرورة وجود قواعد وآليات يسير عليها المختلفون .

رابعاً: أخلاقيات الخلاف:
عدم التثريب بين المختلفين؛ فلستَبأصدق إيماناً بالضرورة، ولا أوسعَ علماً، ولا أرجحَ عقلاً ممن تختلف معه.
قاليحيى بن سعيد –رحمه الله-: ما برح المستفتون يسألون، فيجيب هذا بالتحريم، وهذابالإباحة، فلا يعتقد الْمُبيحُ أن الْمُحَرِّمَ هلك، ولا يعتقد الْمُحَرِّمُ أنالمبيحَ هلك.
وكان الإمام أحمد –رحمه الله- يقول: ما عبر الجسر إلينا أفضل منإسحاق، وإن كنا نختلف معه في أشياء؛ فإنه لم يَزَل الناس يخالف بعضهم بعضاً.
كتب أحدهم رأياً في مسألة من المسائل الفقهية ونشرها؛ فقال له أحد المناقشين: لماذا تبحث هذه المسألة التي لم يبحثها العلماء من قبلك؟! قال له: لقد بحثوهاوأوسعوها بحثاً، فقال له: إذاً، فلماذا تبحثها وقد بحثوها، ألا يكفيك بحثهم عمافعلت.
إن أفهام الرجال ليست وحياً، والمدارس الفقهية، أو المدارس الحركية ليستهي الإسلام، وإن كانت تنتسب إليه وترجع إليه.
وعن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَعَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَأَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ،وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ «..... وَإِذَا حَاصَرْتَأَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَنَبِيِّهِ، فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ، وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ،وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْتُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُواذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍفَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَىحُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِىأَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ» أخرجه مسلم (1731).
لاحظْ أن النبيصلى الله عليه وسلم يوصي رجلاً من أصحابه اختاره لقيادة الجيش، والنبي حاضر بينأظهُرهم، ويقول له: لا تنزل الناس على ذمة الله وذمة رسوله، ولا على حكم الله وحكمرسوله؛ لأنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله وحكم رسوله أم لا.
ولقد سمعت بأذني غيرمرة من يتكلم بمسألة قصارى ما يُقال فيها: إنها اجتهادية؛ فيقول: أنا لا أتكلم منقِبل نفسي أنا لا أقول برأيي، وإنما هذا منهج الله، هذا حكم الله .
سبحان الله! هل الآخرون يأخذون من التوراة، أو الإنجيل، أو الكتب السابقة المنسوخة؟ كلا! بلالجميع يدورون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن يكون المعنىقابلاً لأكثر من اجتهاد، وأكثر من محمل، وأكثر من رأي.
يقول ابن القيم -رحمهالله-:"لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص: إن الله حرم هذا،وأوجب هذا، أو هذا حكم الله".
ويقول ابن تيميه -رحمه الله-:"وَلَكِنَّ كَثِيرًامِنْ النَّاسِ يَنْسُبُونَ مَا يَقُولُونَهُ إلَى الشَّرْعِ، وَلَيْسَ مِنْالشَّرْعِ ; بَلْ يَقُولُونَ ذَلِكَ إمَّا جَهْلًا، وَإِمَّا غَلَطًا، وَإِمَّاعَمْدًا وَافْتِرَاءً".
إنه لا وصاية على الناس ولا إلزام بمذهب معين.
عرضالمنصور على إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه أن يعمم كتاب الموطأ علىالأمصار، وأن يُلزم الناس بالأخذ به، والعمل بما احتواه؛ فنهاه عن ذلك، وقال: ياأمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الناس قد سبقت إليهم، أو سيقت أقاويل، وسمعوا أحاديث،ورووا روايات، وعملوا بذلك، ودانوا به من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وإن ردّهمعما اعتقدوه شديد؛ فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
وهذا منفقه هذا الإمام وتقواه؛ فإن كثيراً من المختلفين لو استطاع أحدهم أن يستميل إليهالسلطان ليتقوى به على خصومه؛ لفعل.
وقد وقع هذا كثيراً في التاريخ والواقع؛ فإنكثيراً من المختلفين من المذاهب الفقهية وغيرها، ربما استنصروا بالسلطان على خصومهموأعدائهم؛ فأبعدوهم وآذوهم.
الإنصاف؛ كما قال عمار رضي الله عنه في صحيحالبخاري، كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام: ( ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّفَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ ، وَبَذْلُ السَّلاَمِلِلْعَالَمِ ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ).
والإنصاف خلق عزيز يقتضي أنتنزل الآخرين منزلة نفسك في الموقف، والإنصاف ضرورة، وله قواعد منها:
أ) أن ماثبت بيقين لا يزول إلا بيقين.
فمن ثبت له أصل الإسلام لا يخرج من الإسلام ويحكمبكفره إلا بيقين، ومن ثبتت له السنة لا يخرج منها إلا بيقين، وهكذا من ثبت له شيء؛فإنه لا يُنزع منه إلا بيقين.
ب- الخطأ في الحكم بالإيمان أهون من الخطأ فيالحكم بالكفر. يعني: لو أنك حكمت لشخص بالإسلام بناءً على ظاهر الحال، حتى لو كانمن المنافقين مثلاً أو ليس كذلك؛ فإن هذا أهون من أن تتسرع وتحكم على شخص بالكفر،ويكون ليس كذلك؛ فتقع في الوعيد:
(وَمَنْ دَعَا رَجُلاً، بِالْكُفْرِ أَوْقَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ ) أخرجه البخاري (6045)، ومسلم (61) وحار عليه: أي رجع عليه .
ج- لا تأثيم ولا هجران في مسائلالاجتهاد.
وهذا ذكره ابن تيمية -رحمه الله- وهو مذهب أهل السنة: أنهم لا يرونتأثيماً لمن اجتهد في المسائل كلها من غير تفريق بين الأصول والفروع، فمن استفرغوسعه في معرفة مراد اللهتعالى، وكان أهلاً لذلك؛ فإنه لا يأثم بهذا الاجتهاد؛ بل هوبين أجر وأجرين، فلا تأثيم في مسائل الاجتهاد، ولا ينبغي أن يكون ثمت تهاجر بينالمؤمنين.
د- التحفظ عن تكفير فردٍ بعينه، أو لعنه.
حتى لو كان من طائفة، يصحأن توصف بأنها مبتدعة ضالة.
وها هو الإمام أحمد -رحمه الله- كان يُكفّر الجهمية،ويكفر من يقول: القرآن مخلوق، ومع ذلك لم يكفر أحداً منهم بعينه، لا المأمون، ولاسواه، بل كان يدعو له، ويستغفر له، ويجعله في حِلٍ مما صنع فيه .
هـ- الأخذبالظاهر، والله يتولى السرائر.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنِّى لَمْأُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ ، وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ) أخرجهالبخاري (4351)، ومسلم (1064). ويقول عمر –رضي الله عنه-:"إنما نؤاخذكم والله يتولىالسرائر بما ظهر لنا منكم".
و تسلط الجهال على تكفير علماء المسلمين؛ من أعظمالمنكرات.
ولقد اتفق أهل السنة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجردالخطأ، بل عامة المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ.
يقول ابن رجب -رحمهالله-:"أكثر الأئمة غلطوا في مسائل يسيره، مما لا يقدح في إمامتهم وعلمهم فكانماذا؟
لقد انغمر ذلك في بحر علمهم، وحُسن مقصدهم، ونصرهم للدين، والانتصابللتنقيب عن زلاتهم ليس محموداً ولا مشكوراً، لاسيما في فضول المسائل التي لا يضرفيها الخطأ، ولا ينفع فيها كشفه وبيانه.
والعجيب أن كثيراً من الناس قد يتحفظونويتورعون عن أكل الحرام -مثلاً-، أو عن شرب الخمر، أو عن مشاهدة الصور العاريةوالمحرمة، ولكن يصعب عليه كف لسانه؛ فتجده يَفْرِي في أعراض الأحياء والأموات ولايبالي بما يقول.
ولهذا قرر العلماء: أن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به،لاسيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصم الله.
قال الذهبي -رحمه الله-:"ما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوىالأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردت من ذلك كراريس".
سأل أحمد بن حنبل -رحمهالله- بعضَ الطلبة: من أين أقبلتم؟
قالوا: جئنا من عند أبي كُريب.
وكان أبوكُريب ينالُ من الإمام أحمد، وينتقده في مسائل
فقال: نِعم الرجل الصالح! خذواعنه وتلقوا عنه العلم.
قالوا: إنه ينال منك، ويتكلم فيك!
قال: أيُّ شيءحيلتي فيه، إنه رجلٌ قد ابتُلي بي.
وحدث الأعمش عن زِرّ بن حُبيش وأبي وائل،وكان زر بن حُبيش علوياً؛ يميل إلى علي بن أبي طالب، وكان أبو وائل عثمانياً،وكانوا أشد شيء تحابّاً وتوادّاً في ذات اللهتعالى، وما تكلم أحدهما في الآخر قط حتىماتا، ولم يُحدث أبو وائل بحضرة زر؛ لأنه كان أكبر منه سِنّاً.
قال الذهبي -رحمه الله-: ( وهو يترجم لأبي محمد بن حزم صاحب الْمُحلى وشيخ الظاهرية):"ولي ميللأبي محمد بن حزم؛ لمحبته للحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير ممايقول في الرجال والعلل، وفي المسائل البشعة في الفروع والأصول، وأقطع- لاحظ قوله: وأقطع- بخطئه في غير ما مسألة، ولكني لا أكفّره، ولا أضلله، وأرجو له العفووالمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.
إن من الإنصاف أن تقبل مالدى خصمك من الحق والصواب، حتى لو كان فاسقاً، بل حتى لو كان مبتدعاً، بل حتى لوكان كافراً.
وقد استنكر ابن تيمية -رحمه الله- على بعض المنتسبين للسنة فرارهممن التصديق، أو الموافقة على حق يقوله بعض الفلاسفة، أو المتكلمين؛ بسبب النفرةوالوحشة، أو إعراضهم عن بعض فضائل آل البيت.
قال -رحمه الله-:"لا يجوز لنا إذاقال يهودي أو نصراني -فضلاً عن الرافضي- قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لانرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق".
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسيره:"إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع؛ فالواجب عليه أنيعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدهاعنه" أ.هـ.
وهكذا تلوح لك في هذه النصوص أمارات الإنصاف والعدل؛ حتى مع الخصومالمباعدين، فضلاً عن الإخوة المتحابين.
3- إستعمال الصبر، والرفق، والمداراة،واحتمال الأذى، ومقابلة السيئة بالحسنة.
كما أمر الله -تبارك وتعالى- في ذلك فيغير ما موضع من كتابه:
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْبِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُوَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34)
وبهذا استمال النبي صلى الله عليه وسلم قلوبأعدائه، وعالج قسوتها وشماسها ونفارها، حتى لانت، واستقادت، وقبلت الحق.
الكلمةالطيبة، والابتسامة الصادقة الصافية، والإحسان إلى الآخرين بالقول والفعل؛ من أسبابزوال العداوة وتقارب القلوب (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَايُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35) .
لما قعد أبو حنيفة للتدريس ،قال فيه مساور الوراق:
كُنَّا مِنَ الدِّينِ قَبْلَ اليَومِ فِي سِعَةٍ

حَتَّى بُلِينَا بِأَصْحَابِ الْمَقَايِيسِ

قَومٌ إِذَا اجْتَمَعُوا صاحوا؛ كأنهم

ثَعَالِبٌ ضَبَحَتْ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ
فسمع أبو حنيفة بذلك؛ فأرسل له هدية، وكانت هذه الهدية رشوة،لكنها رشوة بطريقة شرعية صحيحة؛ فلما قبض الهدية قال:
إِذَا مَا النَّاسُ يَوْماً قَايَسُونَا

بِآبِـدَةٍ مِنَ الفُتْيَا طَرِيفـَهْ

أَتَيْنَاهُمْ بِمِقْيَـاسٍ صَحِيحٍ

مُصِيبٍ مِنْ قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَهْ

إِذَا سَمِعَ الفَقِيهُ بِهَا وَعَاهَا

وَأَوْدَعَهَا بِحِبْرٍ فِي صَحِيفَهْ
 
ومن ذلك: ألا تكثر العتاب والمحاسبة.
في صحيح البخاري (باب منلم يواجه الناس بالعتاب) وذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: صَنَعَ النَّبِىُّ صلى اللهعليه وسلم شَيْئًا، فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَالنَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ « مَابَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيء أَصْنَعُهُ ، فَوَاللَّهِ إِنِّىلأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً » أخرجه البخاري (6101)،ومسلم (2356) .
ومن ذلك عدم الانتقام والتشفي، والانتصار للنفس.

4- عدمالتعصب.
سواء التعصب للمذهب، أو للطريقة، أو للشيخ، أو للجماعة، ولهذا قيل: " حُبُّكَ الشَّيء يُعْمي وَيُصِمُّ "، وروي مرفوعاً -ولا يصح- (إن المتعصب أعمى، لايعرف أعلى الوادي من أسفله، ولا يستطيع أن يميز الحق من الباطل، وقد يتحول المتعصببنفس الحرارة ونفس القوة من محب إلى مبغض)
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهأَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا, وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا» انظرالمصنف لابن أبي شيبة (35865)، والأدب المفرد للبخاري (1321)، والشعب للبيهقي (6593)، وروي مرفوعاً، والموقوف أصح، انظر علل الدارقطني (8/110).
وقد يكونالغلو أحياناً، أو المبالغة، أو التعصب لأقوام؛ هم أشد ما يكونون بعداً عن ذلكوكراهية له، ولكنهم قد يُبتلون بمن يتعصب لهم أو يغلو فيهم.
وهذا محمد بن يحيىالنيسابوري، أخذه الحزن على الإمام أحمد لما مات في بغداد؛ فقال: حقٌ على أهل كلبيت في بغداد أن يقيموا مناحة على موت الإمام أحمد؛ فقال الذهبي -رحمه الله-: إنالنيسابوري تكلم بمقتضى الحزن، لا بمقتضى الشرع، وإلا فإن النياحة منهيٌ عنها فيالشريعة.
وكان بعضهم في خُراسان يظنون أن الإمام أحمد من الملائكة، ليس منالبشر.
وقال آخر: نظرة عندنا إلى أحمد تعدل عبادة سنة. قال الذهبي: هذا غلو لاينبغي.
لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- رجلاً متواضعاً، بعيداً عن التكلف؛ولكنَّ هذه الأشياء قد تخرج من أقوام في حالة انفعال؛ كحزن, أو غيره, وبكل حال فهيأقوال مرذولة, ينبغي اطّراحها, والرد عليها وإنكارها، كما فعل الذهبي وغيره.
وقال محمد بن مصعب: لسوط ضربه أحمد أكرم من أيام بشر الحافي كلها؛ فقال الذهبي -رحمه الله-:"بشر عظيم القدر؛ كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما هو عند اللهتعالى، والله أعلم بذلك.
وصلتني ورقة من الإنترنت مكتوب فيها: ابن باز هوالجماعة، وإن شئت فالألباني.
نقول بملء أفواهنا: ابن باز -رحمة الله تعالى عليه- إمام من الأئمة, وهو على رؤوسنا، ونشهد الله تعالى على محبته. وأذكر أنني سمعتهيوماً من الأيام يقول – وهو صادق-: والله منذ عقلت إلى اليوم، لا أعلم أنني عملتعملاً لغير الله سبحانه وتعالى.
وهذه درجة من الإخلاص والتجرد، يعزّ أن تجدهاعند أحد من أهل هذا الزمان من علمائهم، فضلاً عن عامتهم.
ولكن من الصعب أنتُختصر الأمة في رجل؛ لا في ابن باز، ولا في الألباني، ولا في ابن عثيمين –رحمهمالله-، ولا في هذا ولا في ذاك؛ فإن هذه الأمة جعل الله فيها من الخير الكثير، وتنوعالمواهب والقدرات والعلوم، واعتبار أن شخصاً واحداً هو الجماعة، وأنه يتعين علىالناس اتباعه، والأخذ عنه هو أمر مردود حتى بمقياس هؤلاء الأئمة.
إن الشيخ ابنباز -رحمه الله- لما كان مفتياً للبلاد؛ كان لا يرى أن رأيه ملزمٌ للناس، ويرى أنقوله مثل قول غيره من العلماء، يمكن أخذه بالدليل، ويمكن رده بالدليل؛ فلا تطلب منالناس أكثر مما يرى الشيخ نفسه؛ فمن الوفاء لـه أن تلتزم بهذا الأدب.
والتعصبيورث –أحياناً- نقيض ذلك، يورث ازدراء الآخرين ممن لا يدخلون معه في عصبيته.
كمايروى عن بعض فقهاء الكوفة: أنه حج، ونزل بالحجاز، ولقي علماءها: عطاء, وطاووس, وسعيد بن جبير, وغيرهم؛ فلما رجع إلى الكوفة قال: يا أهل الكوفة! أبشروا ! فواللهلأنتم أهل فقه الزمان كله، لفقهاء الحجاز كلهم؛ عطاء, وطاووس, وسعيد مثل صبيانكم،بل مثل صبيان صبيانكم.
ولا أدري ما المراد بصبيان صبيانكم؛ يعني صبيانكم أفقهمنهم!
وقال أحدهم عن ابن الجوزي -وهو يعدد مثالبه وأخطاءه فيما يزعم-: ما رأيتأحداً يوثق بعلمه ودينه وعقله راضياً عنه؛ فعلق الذهبي -رحمه الله- بقوله:"إذا رضيالله عنه فلا اعتبار بهؤلاء".
إنك كثيراً ما تسمع التقليل من شأن فلان؛ لأنه ليسعلى مذهبنا, ليس على طريقتنا, ليس من جماعتنا، فلان لا علم عنده, فلان ليسبشيء.
قال أبو نُعيم عن رجل بلغه أنه يدرس الحديث قال: ماله وللحديث، هوبالتوراة أعلم.
وهنا نقول: ربما يدرس المسلم التوراة؛ ليعلم حقها من باطلها،ومنسوخها، وصحيحها ومُحرفها، ويرد على أهل الكتاب؛ لكن لا ينبغي أن يُحال بين أحدوبين قراءة السنة النبوية، أو يُقال هو بالتوراة أعلم على سبيل الوقيعة به، أوالنيل منه, أو الازدراء والتنقص.
خامساً: إدارة الخلاف, لإدارة الخلاف ضوابط،وهو علم أصبح يدرس اليوم , وتمتلئ رفوف المكتبات منه بالمطبوع والمترجم؛ وهذه رؤوسمسائله :
الاعتصام بالكتاب والسنة
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍفَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه) (الشورى: من الآية1)، (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍفَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِوَالْيَوْمِ إلاخِرِ) (النساء: من الآية59).
أ- القرآن الكريم (إِنَّ هَذَاالْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(الإسراء: من الآية9) .
ب- السنةالنبوية على صاحبها الصلاة والسلام (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِأُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ إلاخِرَ وَذَكَرَاللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) .
الحوار
والحوار لا يكون إلا بين مختلفين،والله سبحانه وتعالى أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن حتى مع أهل الكتاب:
(وَلاتُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَظَلَمُوا مِنْهُمْ )(العنكبوت: من الآية46) .
حتى المخالف في الأصول، يهودياً أونصرانياً أو بدعياً؛ فإنه يمكن محاورته، بل يجب على القادرين محاورته بالتي هيأحسن، والله سبحان وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم ما دار بين ربنا -تبارك وتعالى- في خطابهلإبليس:
( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُبِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌمِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) سورة ص
وللحوار آداب يجبتعلمها وتلقينها.
-
الحوار بين الجماعات الإسلامية والأحزاب.
-
الحوار بينالدول.
-
الحوار بين الشعوب، ومنح الناس فرصة التعبير عن آرائهم في الهواءالطلق؛ فإنه في الهواء الطلق تموت الأفكار المنحرفة، ولا يصح في النهاية إلاالصحيح.
وبالحوار يمكن تحويل المتوحشين والمتشاكسين إلى مجتمع هادئآمن.
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاًغَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: من الآية159).
إنالمناظرة الهادئة العلمية من أساليب الوصول إلى الحق، والتقريب بين المختلفينوالمتنازعين؛ أما هذه المناظرات التي تُعقد في القنوات الفضائية، سواء دارت حولقضايا سياسية، أو قضايا عقدية، أو قضايا فكرية أو غيرها؛ فإن منها ما يتصف بالهدوءوالليونة، وطول النفس، والواقعية والاعتدال، وهذه الأشياء جيدة، وهي تربي علىالاستماع، وعلى النظر وتقبل الرأي الآخر.
لكن ثمت ألوان من المناظرات يقصد بها:-
حشد الأتباع.
وتتميز بكثير من المغالطات والقفز فوق النتائج، وعدم الوصولإلى نقاط محددة.
وربما يكون ما تأخذه من أوقات الناس، وما تستنزفه من جهودهمالشيء الكثير.
إضافة إلى أنها تزيد الناس لجاجة وتعصباً وبغضاً فيمابينهم.
لا تقرب بين المختلفين.
لا تكشف باطلاً.
ولا تنصر حقاً.
وربمايكون قصارها في الغالب أن تكون لوناً من الإثارة الإعلامية؛ التي ينبغي أن ترشدوتضبط، وتحول إلى قدر من الهدوء والاعتدال .
الشورى.
وهو مما أمر اللهبه:
(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي إلامْرِ) (آلعمران: من الآية159).
(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: منالآية38).
لقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في بدر، وفي أحد، وفيالخندق، وفي غيرها.
وإن ترسيخ مبدأ الشورى في الأسرة وفي المدرسة وفي الدولة،ومشاركة الناس في رسم مصيرهم وحاضرهم ومستقبلهم -هو من الضرورات التي لا مناص منهااليوم.
وعلى الأخص ما يتعلق بالشباب؛ فإن ثمت ضرورة لاحتوائهم والقرب منهم،وتحسس آلامهم والاستماع إلى مشكلاتهم، وألا نحملهم على رأينا وعقلنا، وألا نستخفبهم.
إن إشعارهم بالأهمية ضرورة قصوى في مثل هذه الظروف، والاستماع إليهم واجبأيضاً، وإسماعهم الحق مجرداً صريحاً بلا مواربة ولا مجاملة هو من الواجباتأيضاً.
تفعيل دائرة المتفق عليه.
وهذه قاعدة رشيد رضا الشهيرة (قاعدة المنار) كان يقول -رحمه الله-: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه).  
وهذه الكلمة ربما ينتقدها الكثيرون ويجلبون حولها، ولكن لو نظر إليها الإنسانباعتدال وتوازن وتوسط؛ لوجد أنها قاعدة صحيحة.
إننا لا نتكلم بالضرورة الآن عنأعدائنا في الأصول, المخالفين لنا في قواعد الشريعة، وإنما نتكلم في داخل دائرةأتباع القرآن وأتباع السنة.
وقد أشار ابن تيمية -رحمه الله- في غير موضع إلى أنإسلام الكفار حتى لو تحقق على أيدي بعض أهل البدع من الجهمية والمبتدعة وغيرهم؛ أنهخير من بقائهم على الكفر، وأن توبة الفجار حتى لو كان بسبب حديث ضعيف؛ خير منبقائهم على ما كانوا عليه من الفجور، وأن الصلاة خلف المبتدع خير من ترك الجماعة.
وهذه المسألة -مسألة تفعيل دائرة المتفق عليه- تخضع للمصلحة والاجتهاد والنظروتغير الأحوال.
وما أجدر المسلمين اليوم، وهم في حال ضعفهم، وتراجع دورهمالعالمي، وتسلط أعدائهم عليهم، واحتلال كثير من بلادهم -ما أحوجهم إلى العناية بهذهالمسألة!
تشجيع الاجتهاد، وتوفير المناخ الملائم لخصوبة العقول ونموهاوإبداعها.
إن جو الحرية الشرعية هو المكان الذي تزدهر فيه الأفكار الصحيحة، أماحين يكون على الإنسان أن يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يقول ما يراه؛ لأنه سوف يواجهتهماً وتشنيعاً وأذى ومصادرة؛ فإن الإبداع حينئذ يموت.
ونحن الآن نتحدث عنالإبداع، لا نتحدث عن الابتداع، هذا الإبداع في أمر الدنيا في المسكوت عنه في دائرةالمختلف فيه.
وأما الابتداع؛ فهو في أمر الدين المحض المنصوص، وما قصة ابن عباسعنا ببعيد: فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِى مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ ، فَقَالَبَعْضُهُمْ:
لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا ، وَلَنَا أَبْنَاءٌمِثْلُهُ؟!
فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ .
قَالَ: فَدَعَاهُمْذَاتَ يَوْمٍ ، وَدَعَانِي مَعَهُمْ.
قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِييَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ مِنِّى.
فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ ( إِذَا جَاءَنَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ ) حَتَّى خَتَمَالسُّورَةَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَوَنَسْتَغْفِرَهُ ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نَدْري.
أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا .
فَقَالَ لِي: يَا ابْنَعَبَّاسٍ ! أَكَذَاكَ تَقُولُ؟
قُلْتُ: لاَ .
قَالَ: فَمَاتَقُولُ؟
قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُاللَّهُ لَهُ. ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) فَتْحُ مَكَّةَ ،فَذَاكَ عَلاَمَةُ أَجَلِكَ
( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُكَانَ تَوَّابً)) . قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ) . أخرجه البخاري (4294).  
تشجيع النقد البناء والمراجعة الهادفة للأوضاع.
سواءكانت:-
أوضاعاً سياسية, تتعلق بالدول.
أو أوضاعاً اجتماعية, تتعلقبالموروثات عند الناس.
أو أوضاعاً دعوية, تتعلق بمقررات الدعاة, وأنماط عملهموأساليبهم.
مراجعة هذه الأساليب والطرائق والأوضاع بهدوء وتجرد وتدرج، ليس مانحن فيه الآن بأفضل الأوضاع على أي صعيد، بحيث نقول: إن ما نحن فيه شاف كاف, وليسعليه مزيد، بل نحن جميعاً معترفون بأن أوضاعنا بحاجة إلى تصحيح، وأول خطوات التصحيحهو: النقد العلمي الهادف البناء.
إن الكثيرين قد يظنون أن التسلط والديكتاتورية،سواء كانت ديكتاتورية سياسية بمصادرة آراء الناس، وحجبها، ومنعهم من الكلام، أوكانت ديكتاتورية علمية بفرض رأي واحد بالفقه أو غيره، ومنع الناس من خلافه- يظنونأنها توحد الناس!
والواقع: أنها لا توحدهم، بل ربما تخونهم أحوج ما يكونونإليها؛ لأنك تجد أن الناس قد ينفتحون -كما يقع اليوم- انفتاحاً علمياً وسياسياًضخماً هائلاً دون أن يكونوا تهيئوا لذلك واستعدوا له؛ فيصعب عليهم التكيف والتعاملمع هذه الأوضاع الجديدة بمسئولية.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهو منسمات المؤمنين.
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُبَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة: منالآية71).
وينبغي أن يكون مُدارًا بين العلماء وطلبة العلم والدعاة والخاصةوالعامة؛ لكن هنا نقاط:
لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي يختلف فيهاالعلماء.
فهذه المسائل لا ينكر فيها أحد على أحد, الكل مجتهد، ولكل مجتهد منهمنصيب وإن كان المصيب واحداً، وفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف.
ب- كثيرمن مسائل الخلاف ربما يكون القول الراجح فيها واضحاً، أو الدليل واضحاً؛ فهنا لابأس بالتعليم والإرشاد أو شيء من الإنكار إذا اقتضاه الموقف والظروف .
لا ينكرمقلدٌ على مقلد.
فإذا كان الإنسان مقلداً لغيره من العلماء أو المذاهب؛ فإنه لايحق له أن ينكر على مقلد آخر.
عدم الإنكار لا يعني عدم النصيحة.
والنصيحة لاتكون بطبيعة الحال في المسائل العلمية المحضة، كما كان الشافعي -رحمه الله- يقول فيكتاب الأم وغيره: إنني لا أقول لرجل خالفني في مسألة علمية فقهيه تُب إلى اللهتعالى من هذه المسألة؛ لأن التوبة إنما تكون من الذنوب، وهذا الإنسان هو بين أجروأجرين.
هـ - مراعاة فقه المصالح في إنكار المنكر.
فإن مدار الإنكار علىتحقيق المصلحة ودرأ المفسدة .
مراعاة التدرج في الإنكار.
فإن نقل الناس عماهم عليه شاق وشديد، ثم إذا لم يكن للأمر والنهي جدوى ولا مصلحة لم يكن واجباً علىالإنسان أن يأمر وينهى .
كما ذكر ذلك العز بن عبد السلام ورجحه.
وذكره أيضاًالشيخ الشنقيطي في تفسيره، في تفسير قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِالذِّكْرَىإِنَّالَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِيبُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا (النساء:10).
وقوله سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً (النساء: من الآية30).
ومع ذلك لا نشهد لمعين بالنار؛ لإمكان أنه تاب من ذنبه، أو كان لهحسنات محت سيئاته، أو كفر الله عنه بمصائب وغير ذلك.
ولم يكن من شأن السلف y الاشتغال بتعين هذه الطوائف، كما ذكر الشاطبي في الموافقات, وابن تيميةوغيرهم.
فإن ابن تيمية -رحمه الله- يقول: من كان من الثنتين والسبعين فرقةمنافقاً؛ فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقاً في الباطن، بل كان مؤمناً باللهورسوله لم يكن كافراً، وإن أخطأ في التأويل؛ كائناً ما كان خطؤه، وإذا قال المؤمن: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِإلايمَانِ )(الحشر: من الآية10)؛ فإنه يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قدأخطأ في تأويل تأوله مخالفٍ للسنة، أو أذنب ذنباً؛ فإنه من إخوانه الذين سبقوهبالإيمان؛ فيدخل في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة؛ فإنه ما من فرقه إلاوفيها خلق كثير ليسوا كفاراً، بل مؤمنون فيهم ضلال يستحقون به الوعيد.
ثم يقول -رحمه الله- "مع أن حديث الثنتين والسبعين فرقة ليس في الصحيحين؛ فقد ضعفه ابن حزموغيره، لكن حسنه آخرون، أو صححوه؛ كالحاكم، وقد رواه أهل السنن منطرق"أ.هـ.
وبذلك يتبين أيها الأخ الحبيب! أن مثل هذا الحديث ينبغي أن يوضع فيإطاره الصحيح، وإن كان ثابتاً عندنا إلا أنه ينبغي ألا يُتعدى به قدره، وألا يكونسبباِ لإشاعة الفرقة والخلاف بين المؤمنين.
وقد وقفتُ على بحث قيم للأستاذ عبدالله بن يوسف الجديع عنوانه: (أضواء على حديث افتراق الأمة) أنصح بقراءته .
وفقنا الله وإياكم لصالح القول والعمل، وجمع قلوبنا على الإيمان والتقوى،وهدانا جميعاً إلى سواء السبيل، وجمع أمة المسلمين على الخير والهدى، ووحد كلمتهموصفهم، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة اللهوبركاته.

بقلم الشيخ سلمان بن فهد العودة
من موقع الإسلام اليوم
 
print
The comment feature is locked by administrator.
There is no comment.