أهمية الأمن ومكافحة الإرهاب


 أهمية الأمن ومكافحة الإرهاب
الحمد لله حمدًا لا منتهى لعدَدِه، والشّكر له شكرًا لا يتنَاهى في مدَدِه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةَ صادقٍ في توحيده مخلِصٍ في معتَقَده، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، المؤيَّدُ بالمعجِزات والآيات حتى نبَع الماءُ من أصابِع يدِه، صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
أيها الناس ، كيفَ يأنسُ بالدّنيا مفارقُها؟! وكيف يأمَن النارَ واردُها؟! وأين الحزمُ والمبادرة ممّن يومُه يهدِم شهرَه، وشهرُه يهدِم سنتَه، وسنتُه تهدِم عُمرَه؟! العمرُ يقود إلى الأجَل، والحياة تقود إلى الموت، ودقّاتُ قَلب المرء وأنفاسُه هي الطريقُ إلى المصير، والبقاء في الدنيا سبيلُ الفناء، فاتّقوا الله رحمكم الله، وكونوا ممّن بادرَ الأعمالَ واستدركَها، وجاهَد النفسَ حتى مَلكَها، وعرف سبيلَ التّقوى فسَلكها، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] .
أيّها المسلمون، المسؤوليّة عُظمى، والنّاس كلُّهم في سفينةٍ واحدة، ومن خَرقَها غَرِقَ وأغرَقَ الجميعَ، والتّهاوُن والتساهُل يقود إلى الانفلاتِ والفَوضى، والإحساسُ الجادّ بالمسؤولية وخطورةِ النتائج يحمِل كلَّ عاقل ومسئول على النّظَر في شؤون أمّته، ينصَح لها، ويسعَى في حِفظ كيانها وحمايةِ بيضَتها والاجتماع علَى كتابِ ربِّها والاعتصامِ بحبلِ الدّين المتين وعروةِ التوحيدِ الوثقى، والأمر لا تحصره كلِماتٌ، والموضوعُ لا تحدّه صفَحات، ولكنّه يحتاج إلى وَقفةٍ جادّة، وبرامجَ مدروسةٍ تتجاوَز ردودَ الأفعال؛ فَمصلحة الدِّين والأمةِ والدّيار بل ومصلحةُ البشريّة جمعاء والإنسانيّة قاطِبة فوق مصالحِ الأفرادِ والهيئاتِ.
 
أيّها المسلمونَ، الأمنُ مطلبٌ عزيزٌ، هو قِوامُ الحياةِ الإنسانيّة وأسَاسُ الحضارةِ والمدنيّة، تتطَلّع إليه المجتمعات، وتتسابَق لتحقيقِه السّلُطات، وتتَنافس في تأمينهِ الحكومات، تُسَخَّر له الإمكانات الماديّة والوَسائلُ العلميّة والدِّراسات الاجتماعيّة والنّفسيّة، وتُحشَد لَه الأجهزةُ المدنيّة والعسكريّة، وتُستَنفَر له الطَّاقات البشريّة.
 
مَطلبُ الأمنِ يَسبِق طلبَ الغِذاء، بغيرِ الأمن لا يُستَساغ طعام، ولا يَهنَأ عيش، ولا يَلذ نوم، ولا يُنعَم براحَة، قال أهلُ الحكمةِ: الخائفُ لا عَيشَ له، وفي التنزيل العزيز: [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] .
 
الأمنُ مقرونٌ بالإيمان: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] ، وفي الحَديث قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمِن مَن أمِنَه النّاس على دمائهم وأموالهم). والسّلام مقرونٌ بالإسلام: فقال عليه الصلاة والسلام (المسلم مَن سلِم المسلمون مِن لسانه ويدِه). ومَن دخل في الإسلام فقد دخل في دائرة الأمن: (مَن قال: لا إله إلا الله وكفَر بما يُعبَد من دونِ الله حرُم مالُه ودمه، وحسابُه على الله عزّ وجلّ)
 
ولئن الأمن يتوفَّر برسوخِ الإيمان في القلوب وتَطهير الأخلاق في السّلوك وتصحيح المفاهيمِ في العقول فإنّه لا بدَّ مَع ذلك مِن الشّرعِ العادِل والسّلطان القويِّ والولاية الحاكمة، [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] .
 
في ظلِّ الأمنِ تحفَظُ النّفوسُ، وتُصانُ الأعراضُ والأموَالُ، وتأمَنُ السّبُل، وتُقامُ الحدود، ويسود العمرانُ، وتنمُو الثّروات، وتتوافَر الخيرات، ويكثُر الحرثُ والنّسلُ. في ظلِّ الأمنِ تقوم الدعوةُ إلى الله، وتُعمَرُ المساجدُ، وتُقام الجُمَع والجماعات، ويسودُ الشّرع، ويفشو المعروف، ويقلُّ المنكَر، ويحصُل الاستقرارُ النفسيُّ والاطمئنان الاجتماعيُّ.
 
وإذا اضطربَ الأمنُ ـ عياذًا بالله ـ ظهَرتِ الفتَنُ، وتزلزَلت الأمّةُ، وتخَلخَلت أركانُها، وكثُر الخبَث، والتبَسَ الحقّ بالباطِل، واستعصَى الإصلاحُ على أهلِ الحقّ. إذا اختلَّ الأمن ـ عياذًا بالله ـ حكَم اللّصوصُ وقُطّاع الطرُق، وسادَت شريعةُ الغَاب، وعمّت الفوضَى، وهلك النّاس. وتأمّلوا بُلدَانًا مِن حَولِكم اختلَّ فيها الأمن، فهلَك فيها الحرثُ والنّسل، وسُلِبت الأموال، وانتُهِكت الأعراض، وفسدَ المعاش، فلا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله.
 
عباد الله ، لقد ضرَبَ الإرهابَ مواقِعَ كثيرةً من العَالَم، فهو عابِرُ قارّات، لا وَطَن له ولا جِنسَ ولا دينَ، فعلى الدّنيَا شعوبًا وحكوماتٍ وهيئات أن تتصدَّى لهذا الشّرِّ الذي يهدِّد استقرارَ الناس وطمأنينةَ الشعوب
 
إنّ الإرهابَ إزهاقٌ للأرواح وإراقَة للدماء المعصومةِ، مفاسِدُ عظيمة وشرورٌ كثيرة وإفساد في الأرض وترويعٌ للآمنين والمؤمنين ونَقضٌ للعهود وتجاوُز على ولاةِ الأمور، أعمالٌ سيّئة شِرّيرة، تثير الفِتنَ، وتولِّد التحزّب وتفتح أبوابَ الشرّ أمام ألوانٍ من الصراعاتِ وإشاعة للفوضى.
 
إنَّ مثلَ هذه الإِقدامات الحَمقاء قدَّمت الذرائعَ والمسوِّغات لمزيدٍ من التدخُّل والتسلّط على الأهل والدّيار. ألم يدرِك هؤلاء الغلاةُ المتنطِّعون أنه لم يستفِد من هذه الأعمالِ الإرهابيّة إلا الحاقدون والموتورُون، والذين يسرّهم أن يختلِطَ أَمرُ الأمّة ويختلَّ أمنُها ويضربَ بعضها بعضًا؟! ألم يَرَوا أنّ الأمّة قد أصبَحَت بعُلَمَائها ورِجالِها وساسَتِها وقادَتها ودُعاتها بل وشبَابها مادّةً يلوكها ويجترّها الإعلام بوسائِله وقنواتِه؟! ويحَهم ووَيلٌ لهم، هل يريدون جَرَّ الأمّة إلى ويلاتٍ تحلِق الدينَ وتشيع الفوضى؟! يريدون أن تتقطَّع الدوَل ويُشرَّد الناس من ديارهم وتُنتَهك الحرمات؟! يريدون إثارةَ فِتنٍ وقودُها الناس والممتَلَكات والدّيار؟!
 
وإنّ من نِعَم الله عزّ وجلّ على عبادِه ولطفِه بهم ورَحمتِه أنَّ الإنكارَ على الإرهابيين قد تضافَر من أهلِ العِلم مجتمعين ومنفَرِدين، بل لا يوجد أحدٌ من أهلِ العلم في هذا العصر ممّن يُعتَدّ بكلامه وعِلمه إلاّ وأنكر عليهم ورَدَّ عليهم مزاعِمَهم وشُبَهَهم وجرَّم أفعالهم ومَسَالكهم، وكيف يُتَصوَّر أن يستجيزُ عاقلٌ فضلاً عن عالمٍ بشرع الله وحدوده، كيف يستجيز هذه التصرّفات ويسوِّغ هذه الأفعال وقد روَّعوا الآمنِين ونقَضوا العُهود وتجاوَزوا على ولاة الأمور وكفَّروا المسلمين وسعَوا في الأرض فسادًا؟!
 
والدّلائلُ من كتابِ الله عز وجل وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام أكثرُ مِن أن تُحصَر وأشهَر مِن أن تُذكَر، ألم يقُلِ الله عز وجل: [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا]
 
ولقد عَلِم كلُّ ذِي عِلمٍ مِن أهلِ الإسلام أنَّ قتلَ النّفسِ بغير حقٍّ مِن أكبرِ الكبائر، وهي قرينُ الإشراكِ بالله عياذًا بالله،[ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ] ، وفي الحديثِ الصّحيح: (أكبرُ الكبائر الشّركُ بالله وقتلُ النفس)، ويقول الرّسول عليه الصلاة والسلام:(كلُّ ذنبٍ عَسَى الله أن يغفِرَه إلاّ الرجل يموتُ مشرِكًا أو يقتل مؤمِنًا متعمّدًا)، ويقول : (مَن قتَل مؤمنًا فاغتَبَط بقتلِه لم يقبَلْ الله منه صَرفًا ولا عدلاً)، وعند الترمذيّ: (لو أنَّ أهل السماءِ والأرض اشترَكوا في دمِ مؤمن لأكبَّهم الله في النار)، وعند البخاريّ في صحيحه: (من قتَل معاهَدًا لم يرَح رائحةَ الجنّة، وإنَّ ريحَها يوجدُ من مسيرةِ أربعين عامًا)
 
ومِن أجلِ هذا فإنّ كلَّ عمَلٍ تخرِيبيٍّ يستهدِفُ الآمِنين ومَعصومِي الدّماء والنّفوس المحرّمة فهو عملٌ إجراميّ محرَّم مخالفٌ لأحكامِ شرعِ الله، فكيفَ إذا كانَ القتلُ والتخريبُ والإفساد والتدمير في بلدٍ مسلِم، بلدٍ يُعلِي كلمةَ الله، وترتفِع فيه راية الدِّين والدّعوة وعِلمُ الشَّرع وعَلَم الشّرع وحُكمُ الشّرع؟! ثمّ كيفَ إذا كانَ ذلك في مهبطِ الوحيِ ومبعَث الرِّسالة، في أقدسِ المقدّسات، في دارِ الإسلام دارِ الإيمان التي يأرِز إليها الإسلام والإيمان؟! إنّ ذلك كلّه يزيدُ الحرمَة حرمةً والإلحادَ إلحادًا، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
 
فكَم من نفس معصومةٍ أُزهِقت، وكَم مِن أموالٍ وممتَلكات محتَرمَة أُتلِفت، وكَم من نفسٍ آمنةٍ رُوِّعت. مفاسدُ عظيمة، وشرور كثيرة، وإفسادٌ في الأرض، وترويعٌ للآمنين، ونقضٌ للعهود، وتجاوزٌ على إمامِ المسلمين. جرائمُ نَكراء، في طيِّها منكرات.
 
فئةٌ ضالّة وشِرذِمة ظالمة، لقد جمَعوا بين منكرات، وأقدَموا على جَرائم، واقتحَموا آثامًا. أزهَقوا الأنفسَ المعصومةَ من المسلمين وغير المسلمين، من المعاهَدين والمستأمَنين، وكأنّهم لا يَتلون كتاب الله ولا يقرؤون سنةَ رسول الله . لم يسمَعوا قول الله عزّ وجلّ: [وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا] ، [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] ، وفي الحديث الصّحيح قال رسول اللهعليه الصلاة والسلام: (لا يزالُ المسلم في فُسحةٍ من دينه ما لم يصِب دمًا حرامًا)
 
لقد أتلفوا أموالَ المسلمين وممتلكاتهم بغير وَجه حَقّ، وكأنه لم يطرُق أسماعَهم حديثَ رسول اللهعليه الصلاة والسلام : (إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرام، كحُرمةِ يومكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا)، (كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمُه وماله وعِرضُه)
روَّعوا الآمنين، وقد حذّّر رسول الله من ذلك أشدَّ التحذير فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يحلُّ لمسلم أن يروِّعَ مسلمًا). وحَملوا السلاحَ على المسلمين، وقد نهى رسول الله عن مجرَّد الإشارة فكيف بالإشهار به والقتل والإعانة؟! وفي الحديث: (لا يشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدرِي لعلّ الشيطانَ ينزع في يده فيقع في حفرةٍ من النار). فأيُّ وعيد أشدُّ من هذا؟! فنعوذ بالله من الضلالِ والخذلان، وفي الحديث الآخر: (من أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ فإنّ الملائكةَ تلعنُه حتى تنتهيَ وإن كان أخاه لأبيه وأمته)
 
أيّها المسلمون، وأهلُ الذمّة والمعاهَدون والمستأمَنون محفوظةٌ حقوقُهم في الإسلام وفي دِيار المسلمين، دماؤهم معصومَة، وأموالهم محتَرمة، يستوون في ذلك مع المسلمين لعموم النّصوص وخصوصِها في أهل الذمة والمعاهَدين، قال الله عزّ وجلّ [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ، [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا] ، [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ] . ويقول النبيّعليه الصلاة والسلام : (مَن قتل معاهدًا لم يرح رائحةَ الجنة، وإنَّ ريحَها يوجَد من مسيرة أربعين عامًا). فلا يصحّ في دين الإسلامِ إيذاؤهم ولا التعدّي عليهم في أنفسِهم ولا أموالهم ولا ممتلكاتِهم ولا أهلهم. وفي السنن الكبرى عن عليّ : (مَن كانت له ذمَّتُنا فدمُه دمُنا)
 
أيّها المسلمون إن أهلُ الذمّة والمعاهَدون والمستأمَنون ، ممّن تجب معاملتُهم بالبرِّ والقِسط على حدِّ قولِ الله سبحانه وتعالى: [لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ، بل حتى الجدال معهم أُمِرنا نحن المسلمين أن يكونَ معهم بالتي هي أحسن: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ] .
 
هذه بعضُ النصوصِ والأحكام وكلام بعض المحقِّقين من أهل العلم، فهلاَّ اتَّقى الله هؤلاء، ناهيك عمّا وقعوا فيه من شقِّ عصا الطاعةِ ومفارقةِ الجماعة، فذلك كبيرةٌ من كبائر الذنوب، ففي الحديث الصحيح: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعةَ فمات، مات مِيتةً جاهلية)، فلا حولَ ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
 
جرائمُ لا يُقدِم عليها إلاّ مَن طُمِسَت بصيرتُه وزُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسنًا، [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا] ، وقال سبحانه: [أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ] .
 
إنّ المسؤولية عُظمَى، والجميعُ في سفينةٍ واحدةٍ، ومن خرَقَها أغرقَ الجميعَ. إنّ التهاونَ والتساهُل يؤدّي إلى انفلاتٍ وفوضَى، وإنّ الإحساسَ الجادَّ بالمسؤولية وخطرِ النتائج هو الذي يحمِل كلَّ عاقلٍ وكلَّ مخلِص على رفضِ هذه الأعمالِ وعدَم قَبول أيِّ مُسوِّغٍ لها ولزوم فضح أهلها وآثارها ونتائجها، وليحذر المسلمُ أن يصدُر منه شيءٌ يُثير الفتنة أو يسوّغ لهؤلاء وأمثالهم ضلالهم وجهلَهم وإجرامَهم.
 
ومع يقينِ المؤمن أنّ الله حافظٌ دينَه ومُعلٍ كلمتَه وجاعلٌ كيدَ الكائدين في تضليلٍ إلاّ أنّ المسؤوليّة عظيمة، فلا بدّ من الوقفةِ الصارمة من أجلِ وضعِ الأشياء في مواضعِها والأسماء في مسمَّياتها، فالإسلامُ إسلام، والإجرام إجرامٌ، والإصلاح غيرُ الفَساد، وإيذاءُ المؤمنين وسَفكُ دماءِ المسلمين والتجاوز على المعاهَدين غير الجهاد المشروع.
 
[وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ] .
 
أيّها المسلمون، هذه البلادُ ـ ولله الحمد ـ مستمسِكة بدينها، متماسكةٌ تحت ظِلّ قيادتها وولاةِ أمرها، كلُّنا ندين لله بالسّمع والطاعة لولاة أمرنا بالمعروف في غير معصيةٍ، متمثِّلين قولَ الله عز وجل: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ]
 
أمّا رجالُ الأمنِ فهم جُنودٌ بواسِل على خيرٍ عظيم، وهم في ثغرٍ من ثغور الإسلام، يعلَمون مقامَهم وشرفَ مكانهم وصلاحَ عمَلهم ونُبلَ مقصَدهم، يؤدّون مهمَّاتهم في إخلاصٍ وتفانٍ وإتقانٍ وكفاءةٍ، فهم على الحقّ والهدَى بإذن الله، بأعمالهم وشجاعتِهم ويقظَتهم تبقى هذه البلادُ عزيزة محفوظة رافعةً لمنار الدين حاميةً لمقدّساتِ المسلمين محافظةً على حُرُماتهم بإذن الله، فهم بإذن الله صمّام الأمان في حمايةِ دار الإسلام.
 
أيّها المسلمون، وإنّ مسؤوليةَ مواجهة هذه الفئةِ الضالةِ هي مسؤولية الجميع، كلٌّ حسبَ موقعه، فالإحساسُ بالخطر على الدّين والأهل والدّيار والفُرقة والفوضى هو الأمر الذي يجب أن يستشعرَه الجميع.
 
ثم هذا خِطابٌ لمن سوّلت له نفسُه القيامَ بهذه الأفعالِ الإجراميّة المحرّمة أو زلّت قدمُه فوقعَ في شيء من هذه الأعمالِ أو وقع في رَوعِه لوثةٌ من هذا الفِكر أو تعاطُف معَهم، عليهم جميعًا أن يتّقوا الله في أنفسهم وإخوانهم المسلمين، وليبادروا بالتوبةِ إلى الله عزّ وجلّ، وليراقبوا أنفسَهم ويتأمَّلوا نصوصَ كتابِ الله وسنة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم وكلام المحقِّقين من أهل العِلم الثقاتِ الأثبات، وأن يرجعوا إلى جادّة الصوابِ والحقّ، ويكونوا صفّاً مع إخوانهم ضدَّ أعدائهم المتربِّصين بهم، وأن لا يكونوا معولَ هدمٍ لكيانِ الأمة، فقد علموا من سُنن الله في الأوّلين والآخرين أنّ مثلَ هذه التصرُّفاتِ الطائِشةَ الرّعناء لا يستفيد منها إلاّ العدوّ المتربّص، واللهِ لا يستفيد منها إلا العدوّ المتربّص، ولم يجنِ منها الإسلام والمسلمون خيرًا، لا في الماضي ولا في الحاضر.
 
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واسلُكوا مسالكَ العدلِ والإنصاف، [يا أيها الذين آمنوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا] .
 
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولِك محمّد الأمين، وآله الطيّبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين...اللهم آمين.
 
مقتطفات من خطب معالي الشيخ د. صالح بن حميد إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة ورئيس مجلس القضاء الأعلى
جمعها: حمادي بن أحمد العصلاني
مدير الترجمة والتأليف - المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات – جدة
print
The comment feature is locked by administrator.
There is no comment.